ابن كثير
261
السيرة النبوية
حتى ملأه ، فسقاها وسقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل ، حتى إذا رووا شرب آخرهم وقال : ساقى القوم آخرهم . ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء ، فغادره عندها . ثم ارتحلوا . قال : فقل ما لبث ان جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلا لا نقي بهن ( 1 ) مخهن قليل ، فلما رأى اللبن عجب وقال : من أين هذا اللبن يا أم معبد ، ولا حلوبة في البيت والشاء عازب ؟ ! فقالت : لا والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت . فقال : صفيه لي ، فوالله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلب . فقالت : رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق مليح الوجه لم تعبه ثجلة ( 2 ) ولم تزر به صعلة ( 2 ) ، قسيم وسيم ، في عينيه دعج ، وفى أشفاره وطف ( 3 ) ، وفى صوته صحل ، أحول أكحل أزج أقرن في عنقه سطع ( 4 ) وفى لحيته كثاثة ، إذا صمت فعليه الوقار ، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء ، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر ، كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن ، أبهى الناس وأجمله من بعيد ، وأحسنه من قريب ، ربعة لا تشنأه ( 5 ) عين من طول ، ولا تقتحمه عين من قصر ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظرا ، وأحسنهم قدا ، له رفقاء يحفون به ، إن قال استمعوا لقوله ، وإن أمر تبادروا لامره ، محفود محشود ، لا عابس ولا مفند . فقال - يعنى بعلها - : هذا والله صاحب قريش الذي تطلب ، ولو صادفته لالتمست أن أصحبه ، ولأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا .
--> ( 1 ) يتساوكن : يتمايلن . والنقى : المخ . ( 2 ) الثجلة : عظم البطن . والصعلة : صغر الرأس . ( 3 ) وطف : طول . ( 4 ) سطع : طول . ( 5 ) الأصل : تنساه . وهو تحريف . وما أثبته عن الوفا لابن الجوزي والمواهب والدلائل لأبي نعيم . ومعنى تشنأه : تبغضه .